الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن طلب العلم وتحصيله من أعظم العبادات، وثوابه يفضل ثواب أكثر القربات وسبل تحصيله سُبُل الجنات، فالعلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ به العبد منازل الأخيار، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، خصوصاً وقد عمَّ الجهل وانتشر الشرك وتكاثرت البدع.
ولو لم يكن لأهل العلم إلا أن الله عز وجل قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على أعظم مشهود وهو التوحيد لكفاهم ذلك فضلاً وشرفاً، قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[آل عمران:18].
وإن بلاد اليمن من البلاد التي خيَّم عليها الجهل دهراً، واستفحل الشرك فيها زمناً؛ حتى أنعم عليها المولى بهذه الصحوة العلمية المباركة التي ذاع صيتها، وعمَّ ذكرها، وسمع بها القاصي والداني، فقامت في أرجاء البلاد ما لا يحصى من المدارس الشرعية، والمراكز العلمية، والمعاهد الدينية، إضافةً إلى المحاضن التربوية، والكتاتيب القرآنية، والدروس الكثيرة في المساجد المنتشرة في طول البلاد وعرضها، فمحا الله بها كثيراً من الجهل والعمى، وأزال بها كثيراً من الشرك والبدع والضلالات.
وبذلك -ولله الحمد والمنة- وُجِدَ العلماء، وكثر الدعاة، وتكاثر وتوافد طلبة العلم من كل حدبٍ وصوبٍ من أرجاء هذه البلاد المباركة.
غير أن الكمال ممتنع، والقصور واقع، والخلل موجود، خصوصاً وقد توفرت لذلك القصور دواعي، وتداعت له أسباب، واجتمعت له عوامل ساعدت على وجوده بل ووضوحه وبروزه كعيبٍ ظاهرٍ في هذه المسيرة العلمية داخل الصحوة المباركة.
فجاء هذا البرنامج المبارك الذي يفرض ذلك الواقع وجوده، وتحتم تلك الضرورة بروزه؛ ليسهم في إنقاذ تلك الصحوة العلمية الواسعة من الانهيار والتراجع أمام ضربات الواقع المرير وتحديات المرحلة، وذلك بمحاولة تأصيل طلبة العلم التأصيل المطلوب، وتأهيلهم التأهيل المرغوب.
جاء هذا البرنامج ليعين طلبة العلم على التفرغ للطلب ومواصلته اقتداءً لما كان عليه السلف الصالح رضي الله عنهم من السعي لتفريغ طلبة العلم وإعانتهم على ذلك، ولذلك شواهدٌ كثيرة من أقوالهم وأفعالهم: فقد جاء أن عمر ابن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمه الله كتب إلى عماله: " أن أجروا على طلبة العلم الرزق، وفرغوهم للطلب ".
وكفل أبو حنيفة رحمه الله تلميذه أبا يوسف وكفاه عن الكسب وفرغه للطلب.
وكان ابن المبارك ينفق من أموال تجارته على طلبة العلم ومشائخ الحديث حتى يكفيهم مئونة الكسب، وكذلك كان الليث رحم الله الجميع.
والجدير بالملاحظة أنه كان يكثر في عهد السلف في كثيرٍ من الأقطار الإسلامية ومن بينها بلاد اليمن كفالة طلبة العلم وإجراء الأرزاق عليهم من قبل الدولة، وكثرة الأوقاف الخاصة بطلبة العلم فضلاً عن المدارس والأربطة المخصصة لهم، وكان ذلك مما ساعد طلبة العلم في ذلك الزمان على التفرغ والنبوغ، لكن للأسف الشديد قلّ ذلك أو انعدم في العقود المتأخرة، مما ألقى على كاهل الطلبة عبئاً ثقيلاً يعسر أو يكاد يتعذر القيام به كما ينبغي، وهو الجمع بين طلب العلم وكسب الرزق، وهذا مما أدى إلى فتور الهمم في طلب العلم عند الكثير من أهله، والله المستعان.  
جاء هذا البرنامج ليوفر للمدارس العلمية والمراكز الشرعية والمؤسسات الخيرية القدر المناسب والملائم لإعانتهم على كفالة النجباء من طلابهم، وإعدادهم كمرجعيات علمية يحتاجون إليهم في دعواتهم.
كما أنه يعينهم في تحفيز طلابهم على الاهتمام بالمناهج العلمية التي يقدمونها لهم في مدارسهم حفظاً ودراسة واتقاناً، إذ أنها الشرط الأهم في قبول النجباء منهم لدخول هذا البرنامج المبارك.
ففي الوقت الذي يقوم فيه هذا البرنامج بإعداد هؤلاء النخبة كعلماء ومفتين ومدرسين للعلم فإن الله يحيي به المئات من طلبة العلم في تشجيعهم على الاهتمام بالمناهج العلمية التي يدرسونها في مراكزهم ومدارسهم، وإشعال فتيل المنافسة الشريفة التي لا بد منها في المسيرة العلمية لتحقق قفزات علمية باهرة بين طلاب تلك المدارس والمراكز.
جاء هذا البرنامج ليحقق كثيراً من الأهداف المنشودة والمرجوة بإذن الله تعالى، ويزيل كثيراً من العوائق والعقبات أمام مسيرة التعلم.